الشيخ محمد رشيد رضا

171

الوحي المحمدي

من الكفار ، ولو كانت مما يقدر عليه البشر بكسبهم ، أو تقع منهم باستعداد روحي فيهم ، لما كانت آية على صدقهم . ( الثالثة ) : هداية عقول البشر برؤيتها إلى سعة دائرة الممكنات ، وضيق نطاق المحال في المعقولات ، وإلى أن كون الشيء بعيدا عن الأسباب المعتادة والأمور المعهودة والسنن المعروفة ، لا يقتضى أن يكون محالا يجزم العقل بعدم وقوعه ، وبكذب المخبر به ولو مع قيام الدليل على صدقه ، وإنما غايته أن يكون الأصل فيه عدم الثبوت فيتوقف ثبوته على الدليل الصحيح ، وهذه قاعدة كبار علماء الكون في هذا العصر ، فلا ينقصهم لتكميل علمهم إلا ثبوت آية اللّه تعالى لا يمكن أن يكون لها علة من سنن الكون وسبب من أسبابه المطردة ، والماديون المنكرون لآيات الرسل لن يجدوا هذه الآية في عالم المادة وإنما يجدونها في القرآن . ذلك بأنّ كلّ ما في عالم المادة فهو خاضع لما يسمى في عرفهم بالأسباب والنواميس والعلل ، وفي لغة القرآن بالسنن والقدر ( كما قرأنا عليك آنفا ) ، ولذلك تجدهم يبحثون بالتحليلات المادية عن الموجود الأول في الأزل ، وما كان يبحث عنه الفلاسفة المتقدمون بالدلائل العقلية ويسمّونه علّة العلل ، وإنما الموجود الأول هو اللّه تعالى واجب الوجود الذي صدر عنه كلّ ما عداه من الموجودات ، وهم لما يعرفوا أول ما صدر عنه بمحض قدرته ومشيئته المعبر عنها عندنا بكلمة التكوين ، وهي قوله تعالى للشيء ( كن فيكون ) وهذا غيب الغيوب ، ومنهم من يرى أن العلم به متعذر ومنهم من يطلبه ويرجوه . ولكن الأمر قد انقلب عندهم إلى ضده فإن كثيرا من الذين وصلوا إلى هذه العلوم والأعمال المقربة لآيات الرسل ، وما دعوا إليه من الإيمان بالغيب من العقول ، قد صارت هذه العلوم نفسها سببا لإنكارها ما كان سببا لها وموصلا إليها ( وهو الآيات والإيمان بالغيب ) لا إنكار إمكانه في العقل . بل إنكار ثبوته بالفعل ، فهم ينكرون أن يكون الخالق قد فعل ما صاروا يفعلون نظيرا له في الغرابة ، وكان ينبغي لهم أن يجعلوه دليلا عليه مبينا لحقيته كما قال اللّه تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] ، ولكنهم كلما أراهم آية من آياته الروحية في أنفسهم أو من آياته الكونية في الآفاق التمسوا لها سنة أو فرضوها فرضا بقياس ما لم يعرفوا على ما عرفوا ، فأخرجوها عن كونها بمحض قدرته وإبداعه ، وظلوا على لبسهم كالذين طلبوا من محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينزل عليهم ملكا رسولا فقال اللّه فيهم : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ